ابن قيم الجوزية

265

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

والمراد بالحسنة والسيئة هنا : النعم والمصائب التي تصيب العبد من اللّه . ولهذا قال « ما أصابك » ولم يقل : ما أصبت . فكل نقص وبلاء وشر في الدنيا والآخرة ، فسببه الذنوب ، ومخالفة أوامر الرب ، فليس في العالم شرّ قط إلا الذنوب وموجباتها « 1 » . وآثار الحسنات والسيئات في القلوب والأبدان والأموال : أمر مشهود في العالم . لا ينكره ذو عقل سليم . بل يعرفه المؤمن والكافر ، والبر والفاجر . وشهود العبد هذا في نفسه وفي غيره ، وتأمله ومطالعته : مما يقوي إيمانه بما جاءت به الرسل . وبالثواب والعقاب . فإن هذا عدل مشهود محسوس في هذا العالم . ومثوبات وعقوبات عاجلة ، دالة على ما هو أعظم منها لمن كانت له بصيرة . كما قال بعض الناس : إذا صدر مني ذنب ولم أبادره ، ولم أتداركه بالتوبة : انتظرت أثره السئ . فإذا أصابني - أو فوقه أو دونه - كما حسبت . يكون هجّيراي : أشهد أن لا إله إلا اللّه ، وأشهد أن محمدا رسول اللّه . ويكون ذلك من شواهد الإيمان وأدلته . فإن الصادق متى أخبرك أنك إذا فعلت كذا وكذا ترتب عليه من المكروه كذا وكذا ، فجعلت كلما فعلت شيئا من ذلك حصل لك ما قال من المكروه ، لم تزدد إلا علما بصدقه وبصيرة فيه . وليس هذا لكل أحد . بل أكثر الناس ترين الذنوب على قلبه ، فلا يشهد شيئا من ذلك ولا يشعر به البتة . وإنما يكون هذا لقلب فيه نور الإيمان ، وأهوية الذنوب والمعاصي تعصف فيه . فهو يشاهد هذا وهذا . ويرى حال مصباح إيمانه مع قوة تلك الأهوية والرياح . فيرى نفسه كراكب البحر عند هيجان الرياح ، وتقلب السفينة وتكفّئها ولا سيما إذا انكسرت به وبقي على لوح تلعب به الرياح . فهكذا المؤمن يشاهد نفسه عند ارتكاب الذنوب ، إذا أريد به الخير ، وإن أريد به غير ذلك فقلبه في واد آخر . ومتى انفتح هذا الباب للعبد : انتفع بمطالعة تاريخ العالم ، وأحوال الأمم . ومجريات الخلق . بل انتفع بمجريات أهل زمانه وما يشاهده من أحوال الناس وفهم حينئذ معنى قوله تعالى : أَ فَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ [ الرّعد : 33 ] وقوله شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 18 ) [ آل عمران : 18 ] فكلّ ما تراه في الوجود - من شر وألم وعقوبة وجدب ، ونقص في نفسك وفي غيرك - فهو من قيام الرب تعالى بالقسط . وهو عدل اللّه وقسطه ، وإن أجراه على يد ظالم . فالمسلط له أعدل العادلين ، كما قال تعالى لمن أفسد في الأرض بَعَثْنا عَلَيْكُمْ عِباداً لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجاسُوا خِلالَ الدِّيارِ [ الإسراء : 5 ] - الآية . فالذنوب مثل السموم مضرة بالذات . فإن تداركها من سقي بالأدوية المقاومة لها ، وإلا قهرت القوة الإيمانية ، وكان الهلاك . كما قال بعض السلف « المعاصي بريد الكفر ، كما أن الحمى بريد الموت » .

--> ( 1 ) وأهم ما يولدها : هو التقليد الأعمى والجاهلية الغافلة عن آثار أسماء الرب وصفاته .